نصوص رياضية 1

أمْسَــكَ أحدُهُمـا الآخــــــــرَ

و هـما مُتمرّسـان بـالـصّـراع

و تــَصــــــــــارَعــا و خــــارا

خُــوارَ ثــوْرَيـْـنِ وحْـشِــيَـيْــن

حـطّـمــا عـمــــــــودَ الــبـاب

وارتَــجَّ الــجِــــــــــــــــــــــــدار

وظـلَّ جلجامش وانـكـيدو

متمـاسكـيـن يـتــصــارعـان

كـالــثـوريــن الــوحـشـــــيـيـن

وحينمـا انـثـنى جلجامـش

و قَـدَمُـهُ ثـابــتــةٌ في الأرض

لِــيــرفــع انـكــــيـــــــــــــــــــدو

هــدأتْ سَــــــورةُ غـضــبِــهِ

و اسْــــــــــتــدارَ لِــيـمـضــي

 

مصـدر النص

هذا النص من ملحمة جلجامش، وهي أقدم ملحمة شعرية في التاريخ ، ظهرت قبل ملحمتي هوميروس بأكثر من عشرة قرون كما يؤكد ذلك الباحث الروسي دياكونوف في كتابه (جماليات ملحمة جلجامش) الصادر في بغداد سنة 1973 بترجمة الأستاذ عزيز حداد. وعن هذه الملحمة قال الأستاذ طه باقـرفي كتابه (ملحمة جلجامش) الصادر في طبعته الخامسة ببغداد سنة 1986: “ولعلني لاأبالغ إذا قلت أنه لو لم يأتنا من حضارة وادي الرافدين من منجزاتها وعـلومها وفـنونها شيء سوى هذه الملحمة لكانت جديرة بأن تبوأ تلك الحضارة مكانة سامية بين الحضارات العالمية القديمة“.

وملحمة جلجامش هذه اعتبرها الدكتور محمد نجيب البهبيتي أولى المعلقات العربية في كتابه (المعلقة العربية الأولى أوعند جذورالتاريخ) الصادر بالدار البيضاء سنة 1981 في أكثر من ألف صفحة.

شـهادة النص

ويرى الدكتور نجم الدين السهروردي أن هذه الملحمة قد تضمنت فكرا رياضيا ناضجا تمثل في تسخير الإنسان لقدرته البدنية والذهنية من أجل الدفاع عن الخير والقضاء على الشـرّ. وكان قد تناول هذا الموضوع في كتابه (ملحمة جلجامش والفكرالرياضي) الصادر سنة 1977 في بغداد. واستشهد السهروردي بهذا النص على أن المصارعة الوارد ذكرها في الملحمة -بين جلجامش وانكيدو- هي منافسة رياضية قائمة على نظام محدد ومتفق عليه، وليس فيها ضرب ولا لكم ولا رفس ولا استعمال سلاح، وشواهده على ذلك من النص:

– (أمْسَـكَ أحدُهُما الآخـرَ) أي أن قانون التباري يقضي بأن يمسك المتباري منافسه ليتمكن من مغالبته. وهذه صورة التباري في الرياضة التي اصطلحوا اليوم على تسميتها بالمصارعة الغريكورومانية نسبة إلى اليونان والرومان ، وكان من الإنصاف أن تسمى المصارعة السـومارية نسبة إلى الحضارة التي أفرزتها.  

– (وهما مُتمرّسان بالصّراع) أي أن كلا المتباريين يعدل منافسه وهو ندٌّ له لأنهما معا متمرسان. والندية مبدأ من مبادئ العدل في تنظيم التباري. وثبت في تاريخ الرياضة العربية الإسلامية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجرى الخيل المضمرة مع بعضها والخيل غير المضمرة مع بعضها، وجعل لكل فئة مسافة محددة. والندية أساس -بل من أهم الأسس- التي تقوم عليها نظم  التباري في مختلف فنون الرياضة إلى اليوم. وقياس الندية يكون إما بطبيعة الممارسة؛ أي هل المتبارون محترفون أم هواة، إذ يتبارى المحترفون مع المحترفين والهواة مع الهواة . أو يكون قياس الندية بالوزن، وعلى أساسه يتبارى أصحاب الأوزان الثقيلة مع نظرائهم، ومثلهم أصحاب الأوزان المتوسطة  وأصحاب الأوزان الخفيفة، كما هو الشأن في فنون الدفاع عن النفس والمصارعة والملاكمة. أو يكون قياس الندية بالسن وعلى أساسه تتبارى الفئات السنية مع بعضها، فالكبار للكبار والشبان للشبان، واللأشبال للأشبال، والبراعم للبراعم، كما هو الشأن في معظم الرياضات الجماعية .

– (متماسكين يتـصارعان) أي أن أسلوب المصارعة خال من كل أنواع الضرب. والضرب في فنون المصارعة والدفاع عن النفس تحدده القوانين المنظمة لكل فن. إذ تجيز قوانين بعض الفنون أنواعا معينة من الضرب ولا تجيز غيرها، كما هو الشأن في الملاكمة والكيك بوكسينغ والتايكواندو على سبيل المثال.

– (وقَدَمُهُ ثابتةٌ في الأرض) وصف لوضع جلجامش حين رفع منافسه. ومعنى هذا أن قانون التباري يقضي بأن يرفع المصارع منافـسه ويـطـرحه على الأرض، وأن تكون قدمه ثابتة في الأرض ولا يسقط هو الآخـرأرضا.

وما تضمنه هذا النص من إشـارات إلى نظام التباري في مصارعة جلجامش  لأنكيدو هوالذي دفع الدكتورنجم الدين السهروردي -شيخ المدرسين وعـمداء  كليات التربية الرياضية  في العراق- إلى القول عن هذا الصراع “وهو في تقديري أول صراع مدون في تاريخ الحركة الرياضية في العالم، بل أول مباراة رياضية سجلت في تاريخ الحضارات العالمية“.

وتجدر الإشارة إلى أن الملاحم الإغريقية والهندية والفارسية كانت قد أولت للرياضة قدرا من الاهتمام يتناسب مع المكانة التي كانت تحظى بها الرياضة في مجتمعاتهم. وأشهرالملاحم :

ـ الملحمتان الإغريقيتان الإلياذة Iliad والأوديسا Odes اللتان ترجعان إلى حوالي القرن الثامن قبل الميلاد ، ويقول الأستاذ حلمي عبد الواحد خضرة في بحثه (خصائص التشكيل الفني في إليادة هوميروس) أن: “ملاحم هوميروس أقدم ما وصلنا من الأدب اليوناني. وهما ملحمتان حافلتان بما صاغه الشاعـر هوميروس من صور الفروسية والمبارزة والرماية والسباحة والرقص“.

ـ الملحمتان الهنديتان الـمهـابهاراتـا Mahabharata والرمايـانـا Ramayana اللتان يقول عنهما د. أحمد أبوزيد في بحثه حول (الملاحم كتاريخ وثقافة) أنهما: “من أروع الملاحم التي عرفتها الآداب العالمية ، ويحبُّ كثير من الباحثين تشبيههما بالإلياذة والأوديسا عند الإغريق“. والملحمتان الهنديتان ترجعان إلى حوالي القرن الثاني قبل الميلاد.

ـ شاهنامة الفردوسي، ملحمة الفرس الخالدة، التي تعتبر مصدرا تاريخيا وأدبيا هاما والتي يرجع تاريخ تأليفها إلى القرن العاشر الميلادي .وكان الدكتور أحمد كمال الدين حلمي في بحثه (شاهنامة الفردوسي، ملحمة الفرس الخالدة) قد تحدث عن تأثير الشاهنامة في العيارين والرياضيين قال: “كان العيارون قديما يشكلون طبقة الرياضيين أو يدخلون في تشكيلها وكانوا يخضعون -روحا وأخلاقا- لنفوذ الشاهنامة ويقعون تحت تأثيرها، لهذا وجدناهم ينشدونها في مجالسهم لتثير حميتهم، وتُربي فيهم الإحساسَ بالبطولة. وكان رستم (بطل الشاهنامة) في نظرهم المثال والقدوة ، وهو رئيس العيارين والأبطال العظام“.