في الحَثِّ عَلَى الرّماية

عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: (مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ بِالسُّوقِ، فَقَالَ: ارْمُوا يَا بَنِي إسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، ارْمُوا وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ، قَالَ: فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ؟ قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟ فَقَالَ: ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ)، الحديث رَوَاهُ الإمام الْبُخَارِيُّ في صحيحه والإمام أحْمَدُ في مسنده.

  • الـشَّـرْحُ

قَوْلُهُ:  (يَنْتَضِلُونَ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ: أَيْ يَتَرَامَوْنَ ، وَالنِّضَالُ: التَّرَامِي لِلسَّبَقِ، وَنَضَلَ فُلَانٌ فُلَانًا: إذَا غَلَبَهُ. وَفِي الْقَامُوسِ المحيط : نَضَلَهُ مُنَاضَلَةً وَنِضَالًا وَنِيضَالًا: بَارَاهُ فِي الرَّمْيِ، وَنَضَلْتُهُ: سَبَقْتُهُ فِيهِ. وَفِي رِوَايَةٍ (وَأَنَا مَعَ جَمَاعَتِكُمْ)، وَالْمُرَادُ بِالْمَعِيَّةِ مَعِيَّةُ الْقَصْدِ إلَى الْخَيْرِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَامَ مَقَامَ الْمُحَلِّلِ فَيَخْرُجُ السَّبَقُ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ لَا يَخْرُجُ، وَقَدْ خَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِالْإِمَامِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: (مَنْ كُنْت مَعَهُ فَقَدْ غَلَبَ)، فَهَذِهِ هِيَ عِلَّةُ الِامْتِنَاعِ.

وَفِي الْحَدِيثِ النَّدْبُ إلَى اتِّبَاعِ خِصَالِ الْآبَاءِ الْمَحْمُودَةِ وَالْعَمَلِ بِمِثْلِهَا، وَفِيهِ أَيْضًا حُسْنُ أَدَبِ الصَّحَابَةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَحُسْنُ خُلُقِهِ وَالتَّنْوِيهُ بِفَضِيلَةِ الرَّمْيِ.

– وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ) الحديث رَوَاهُ أَحْمَدُ في مسنده وَمُسْلِمٌ في صحيحه.

–  وَعن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا)، الحديث رَوَاهُ أَحْمَدُ في مسنده وَمُسْلِمٌ في صحيحه.

قَوْلُهُ: (أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إنَّمَا فَسَّرَ الْقُوَّةَ بِالرَّمْيِ وَإِنْ كَانَتْ الْقُوَّةُ تَظْهَرُ بِإِعْدَادِ غَيْرِهِ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ لِكَوْنِ الرَّمْيِ أَشَدَّ نِكَايَةً فِي الْعَدُوِّ وَأَسْهَلَ مُؤْنَةً لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرْمَى رَأْسُ الْكَتِيبَةِ فَيُصَابُ فَيَنْهَزِمُ مَنْ خَلْفَهُ . وَكَرَّرَ ذَلِكَ لِلتَّرْغِيبِ فِي تَعَلُّمِهِ وَإِعْدَادِ آلَاتِهِ.

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الِاشْتِغَالِ بِتَعَلُّمِ آلَاتِ الْجِهَادِ وَالتَّمَرُّنِ فِيهَا وَالْعِنَايَةِ فِي إعْدَادِهَا لِيَتَمَرَّنَ بِذَلِكَ عَلَى الْجِهَادِ وَيَتَدَرَّبَ فِيهِ، وَيُرَوِّضَ أَعْضَاءَهُ.

قَوْلُهُ: (فَلَيْسَ مِنَّا) َفِي ذَلِكَ إشْعَارٌ بِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْقِتَالِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ تَسَاهَلَ فِي ذَلِكَ حَتَّى تَرَكَهُ كَانَ آثِمًا إثْمًا شَدِيدًا؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْعِنَايَةِ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْعِنَايَةِ بِأَمْرِ الْجِهَادِ، وَتَرْكَ الْعِنَايَةِ بِالْجِهَادِ يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْعِنَايَةِ بِالدِّينِ لِكَوْنِهِ سَنَامَهُ وَبِهِ قَامَ.

– عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ الَّذِي يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ، وَاَلَّذِي يُجَهِّزُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاَلَّذِي يَرْمِي بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -وَقَالَ-: ارْمُوا وَارْكَبُوا، فَإِنْ تَرْمُوا خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، وَقَالَ: كُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ بَاطِلٌ إلَّا ثَلَاثًا: رَمْيَهُ عَنْ قَوْسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ أَهْلَهُ فَإِنَّهُنَّ مِنْ الْحَقِّ)، والحديث رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.

– عَنْ عَلِيٍّ كرم الله وجهه قَالَ: (كَانَتْ بِيَدِ رَسُولِ اللَّه ﷺ قَوْسٌ عَرَبِيَّةٌ، فَرَأَى رَجُلًا بِيَدِهِ قَوْسٌ فَارِسِيَّةٌ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ أَلْقِهَا وَعَلَيْك بِهَذِهِ وَأَشْبَاهِهَا وَرِمَاحِ الْقَنَا، فَإِنَّهُمَا يُؤَيِّدُ اللَّهُ بِهِمَا فِي الدِّينِ ، وَيُمَكِّنُ لَكُمْ فِي الْبِلَادِ)، الحديث رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

– عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُولُ: (مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ عَدْلٌ مُحَرَّرٌ) رَوَاهُ الْخَمْسَةُ .

وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد (مَنْ بَلَغَ الْعَدُوَّ بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُ دَرَجَةٌ) وَلَفْظٍ النَّسَائِيِّ (مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَلَغَ الْعَدُوَّ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ كَانَ لَهُ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ).

وَقَدْ وَرَدَ فِي التَّرْغِيبِ فِي الرَّمْيِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ.

أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ (وَجَبَتْ مَحَبَّتِي عَلَى مَنْ سَعَى بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ). وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الغفاري (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ مَشَى بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةٌ).

قَوْلُهُ: (يَدْخُلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ .إلَخْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ فِي آلَاتِ الْجِهَادِ وَإِصْلَاحِهَا وَإِعْدَادِهَا كَالْجِهَادِ فِي اسْتِحْقَاقِ فَاعِلِهِ الْجَنَّةَ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَحْضِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ بِإِعَانَةِ الْمُجَاهِدِينَ، وَلِهَذَا قَالَ الَّذِي يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ.

وَأَمَّا مَنْ يَصْنَعْ ذَلِكَ لِمَا يُعْطَاهُ مِنْ الْأُجْرَةِ فَهُوَ مِنْ الْمَشْغُولِينَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا لَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ. نَعَمْ يُثَابُ مَعَ صَلَاحِ النِّيَّةِ كَمَنْ يَعْمَلُ بِالْأُجْرَةِ الَّتِي يَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ النَّاسِ أَوْ يَعُولُ بِهَا قَرَابَتَهُ، وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ (إنَّ الرَّجُلَ يُؤْجَرُ حَتَّى عَلَى اللُّقْمَةِ يَضَعُهَا فِي فَمِ امْرَأَتِهِ).

قَوْلُهُ: (وَاَلَّذِي يُجَهِّزُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ الَّذِي يُعْطِي السَّهْمَ مُجَاهِدًا يُجَاهِدُ بِهِ فِي سَبِيل اللَّه.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَرْمُوا خَيْرٌ لَكُمْ. إلَخْ) فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الرَّمْيَ أَفْضَلُ مِنْ الرُّكُوبِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ لِشِدَّةِ نِكَايَتِهِ فِي الْعَدُوِّ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ يَقُومُ فِيهِ الْقِتَالُ وَفِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ ، بِخِلَافِ الْخَيْلِ فَإِنَّهَا لَا تُقَابِلُ إلَّا فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا الْجَوَلَانُ دُونَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِيهَا صُعُوبَةٌ لَا تَتَمَكَّنُ الْخَيْلُ مِنْ الْجَرَيَانِ فِيهَا.

من (نيل الأوطار  للإمام الشوكاني)

قد يعجبك ايضا