في المعرفة الرياضية

تناول عدد كبير من الباحثين موضوع المعرفة في محاولة لتحديد تعريف لها، غير أن كل جماعة منهم نحت منحى يختلف عن الأخرى، وبالرغم من ذلك فالباحثون لا يختلفون حول الإطار العام للمعرفة، وهو أنّها تشمل العمليات الذهنية. ويُـعتبر وضعُ المعرفة في إطار العمليات الذهنية تمييزاً لها عن العمليات الانفعالية . ومن محاولات الباحثين في تعريف (المعرفة) نذكر ما يلي:

  • المعرفة تمييز المعلومات. والتمييز هو إستعمال القدرات الذهنية المؤدية إلى الـتَّـعرف على الشيء المراد التعامل معه ، وتمييز المعلومات المتعلقة به. ولذلك فإنَّ كلَّ معرفةٍ عِلم وليس كلّ عِلمٍ معرفة. والشخصُ لا يُسمَّى عارفاً بالشَّيء إلا إذا توغَّل في عِلمه به.
  • المعرفة تقالُ فيما يُتوصَّل إليه بِتَفكُّرٍ ، والعلمُ قد يقال في ذلك وفي غيره.
  • الفرق بين المعرفة والعلم هو أن المعرفة أخصُّ من العلم.
  • المعرفة تقال فيما تُدرك آثارُه وإنْ لم تُدرك ذاته، والعلمُ لا يكاد يقالُ إلا فيما تُدرك ذاته . ولذلك يقالُ: فلانٌ يعرفُ اللهَ، ولا يقالُ: فلانٌ يعلمُ اللهَ لأن معرفةَ الله ـ سبحانه وتعالى ـ تكون بمعرفة آثاره لا بمعرفة ذاته.
  • اختلفوا في تعريف العلم فقالوا: العلم هو المعرفة. وهذا ليس تعريفاً وإنما هو تكرير لفظٍ بذكر ما يرادفه ، فكأنك قلت: المعرفة هي العلم.

والملاحظ أن هذه الجملة من التعريفات تتفاوت إيجازاً وإطناباً ، وضوحاً وغموضاً. وقد تجنَّب جماعةٌ من أهل اللغة وأرباب الأصول الخوضَ في تفاصيل الفرق بين المعرفة والعلم فقالوا أنهما مترادفان.

المجال المعرفي في الرياضة

وقام بعض الباحثين بمحاولات للتعريف بمستويات المجال المعرفي في الرياضة ، ومن هذه المحاولات ما قدّمه د. أمين الخولي نقلا عن ( بنجمان بلوم ) Benjamin  Bloom ، وموجزه أن مستويات المجال المعرفي هي:

  1. الإدراك : وهو تمثُّل الشيء في الذهن على ما هو عليه ، ويكون بالحواس أو بالعقل أوبهما معا . وهو أول المستويات.
  2. الـتَّـعرف : وهو إدراك حقيقة الشيء ، وهو مسبوقٌ بنسبة من الجهل . وهو المستوى التالي للإدراك .
  3. الـفـهـم : ويمثَّلُ قدرةَ ذهنية معينة على إدراك الشيء المراد التعامل معه .
  4. الـتَّـفسير: وهو القدرة على التعامل مع فكرة معينة وإعادة ترتيبها بحيث تؤدي إعادة الترتيب إلى إخراج تلك الفكرة في صورة أوضح و أفيد .
  5. التطبيق : ويتمثل في تحويل المعلومة إلى فعلٍ مطابقٍ للمعلومة ومُجسِّدٍ لها على أرض الواقع .
  6. التركيب : وهو التعامل مع ما هو مُفرَّق قصد تحويله إلى مُجمَّع يؤدي الغرض الذي من أجله جُمع .
  7. التقـييم : وهو تقدير قيمة ما يُـراد التعامل معه ( قبل التعامل وبعد التعامل ).
المدّ المعرفي في مجال الرياضة

عرفت مختلف العلوم والفنون تطوراً كبيراً في مضامينها وأشكالها، كما عرفت تطوراً في مراكزها ومؤسساتها، وهو تطور يقود إلى صحة الاعتقاد بأن مساحة المعرفة أصبحت أوسع من قبل، وأن عمقها أصبح أبعد. وباتت المعرفة ضرورة ملحة في المجتمع، وبات النشاط اليومي للفرد يتطلب حداً أدنى من المعرفة يستحيل العيش بدونه، والناس في ذلك سواء مهما اختلفت معتقداتهم ومذاهبهم، وتلوّنت أطيافهم، وتفاوتت أوضاعهم الاجتماعية، وتنوّعت مجالات عملهم، وتشعّبت تخصّصاتهم، وتعدّدت أهدافهم. وهم جميعاً في حاجة إلى نسبةٍ معيّنة من المعرفة يستطيعون بها  التّعامل مع المحيط الذي يعيشون فيه. والمعنيون بالرياضة أشد الناس حاجة إلى المعرفة التي ينبغي للفرد أن يحصلها، والتي تشمل معرفة:

  • طبيعة المكان الذي يعيش فيه المجتمع ، وطبيعة الأماكن المجاورة له.
  • وضع الزمن الذي يعيشه المجتمع ، والأزمنة التي كانت قبله تاريخيا.
  • الموارد الطبيعية التي يملكها المجتمع في البر والبحر.
  • وسائل المواصلات المختلفة المتوفرة في المجتمع ؛ البريًة والبحريةً والجويةً.
  • وسائل الاتصالات المختلفة المتوفرة في المجتمع.
  • الهيئات القائمة في المجتمع؛ التشريعية والقضائية والتنفيذية.
  • النظم والقوانين المعمول بها في المجتمع، وكذا الأعراف والتقاليد.
المعرفة الرياضية في العصر الحاضر

يتزايد الاهتمام بمسألة المعرفة الرياضية في العصر الحاضر ، اعتبارا لماَّ فيها من خير ونفع للإنسان ، ولأنها تنمي فيه القدرة على حسن اختيار ما ينفعه وحسن اجتناب ما يضره . وإذا كان بعض المفكرين يرون أنَّ  الإنسان خُلق ومعه قدرته على اختيار الخير لا الشرّ، فإنه بناءً على رأيُ هؤلاء المفكرين يمكن القول بأنَّ المعرفة هي الاختيار الصائب إذا كان علينا أن نختار بين المعرفة وعدم المعرفة. وخيرُ المعرفة لا ينحصرُ فقط في كونها  تُنيرُ العقولَ بل  يمتدُّ خيرُها إلى إسعاد النُّفوس. ولا شكَّ أنَّ الناس يسعدون حينما يتعرفون على مكونات البيئة الطبيعية التي يعيشون فيها ، وحينما يحسنون الاستفادة منها، وحينما تهديهم المعرفة وترشدهم إلى سلامة وصحة أبدانهم وأذهانهم وتفوسهم ، ويسعدون كذلك حينما تحميهم المعرفة الرياضية من الزيـغ والانحراف عن جادة الصواب في مختلف أوجه الممارسة الرياضية.

والمعرفة في مجال الرياضة بصفة عامة كانت ، ولا تزال ، وسوف تبقى إلى الأبد من خير ما يسعد الناس ، ويحميهم من الشرور، ويجنّبهم العواقب الوخيمة.

مصادر المعرفة الرياضية

اهتم الباحثون العرب منذ القرن الرابع الهجري بتصنيف العلوم والفنون والآداب في مؤلفات قيمة سموها ( فهارس الكتب ) وهي المعروفة اليوم اصطلاحا باسم البيبليوغرافيا ؛ ولاتزال إلى اليوم مصدراً لا غنى عنه للاطلاع على الكتب المؤلفة في مختلف مجالات المعرفة . وكان لهؤلاء الباحثين العرب فضل كبير في فهرسة الكتب وتقسيم العلوم ليسهُل على طلاَّب المعرفة إدراكُ بُغيتهم في أقصر وقت، وأسهل سبيل. وكان كتاب ( الفهرست ) لابن النديم ( ت 385 هـ ) أوفى ( فهارس الكتب ) في سدِّ حاجة طلاب المعرفة ، وهو لا يزال مناراً هادياً إلى معرفة الكتب المؤلفة أو المترجمة في القرون الإسلامية الأولى إلى يومنا هذا. وكان الفارابي ( ت 339 هـ ) المعروف بالمعلم الثاني وأكبر فلاسفة المسلمين قد سبق ابن النديم بمحاولة حصرالعلوم وتصنيفها وذكر أشهر الكتب التي ألفت فيها وذلك في كتابه الشهير ( إحصاء العلوم ) ، وقد أتى فيه بتصنيف جديد للعلوم مبني على تصنيف الفيلسوف اليوناني أرسطو للمعرفة الإنسانية . وأتى الخوارزمي ( ت 387 هـ )  بعد الفارابي معاصرا لابن النديم وألف كتابه ( مفاتيح العلوم ) ؛ وكان دراسة جديدة في تصنيف العلوم وذكر المواضيع التي تشتمل عليها تلك العلوم. ثم أتى بعدهم فخر الدين الرازي (ت 606 هـ) وألف كتاب (حدائق الأنوار في حدائق الأسرار) وهو كتاب رُتبت فيه المواد حسب المواضيع ، وفيه ذكر للعلوم وأسماء الكتب المؤلفة في كل علم من العلوم مع ذكر اسم المؤلف ونبذة عن حياته . وأتى بعده قطب الدين الشيرازي (ت 710 هـ) ونحا نحو سابقه في كتابه المسمى (دُرّة التاج).

وعلى منوال هؤلاء الرواد نُسِجَت (فهارس الكتب) التي ظهرت مؤخراً ، ومن أشهر هذه الفهارس وأكثرها تداولا:

  • كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون : لحاجي خليفة ( ت 1067 هـ ).
  • فهـرس الفهارس : لعبد الحي الكتاني ( ت 1327هـ ).
  • هدية العارفين بأسماء المؤلفين وآثار المصنفين :  للباباني ( ت 1339هـ ).
  • إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون : للباباني ( ت 1339 هـ).
  • الرسالة المستطرفة : لمحمد الكتاني ( ت 1345هـ ).

وعلى غرار ما قام به علماء المسلمين قام علماء الغرب في العصر الحاضر بوضع تصانيف للعلوم والفنون تعملُ بها اليوم أكبرُ المكتبات العامة في مشارق الأرض ومغاربها.

وإذا كانت الكتب هي أغزر مصادر المعرفة بحكم عددها الكبير جداً والذي يصعب حصره في المكتبات العامة والخاصة المنتشرة في كل أرجاء المعمور فإنَّ هناك مصادر أخرى للمعرفة هي الأخرى عددها كبير، وانتشارها واسع، ومضامينها غنية بالحقائق العلمية والفنية. ومن هذه المصادر ما تزخر به المتاحف في العالم من مقتنيات اتخذت أشكالاً متعددة ؛ فهي عبارة عن لوحات، ومجسمات، ومنحوتات، ورسوم، ونقوش، وقطع نقدية، وأسلحة، وأدوات، ومعدات وأجساد، وألبسة، وغيرها من المقتنيات التي يعزُّ حصرها. ومن خصائص هذا النوع من المصادر أنه أدقُّ من الكتب وأوثق منها في تقديم الحقيقة العلمية والفنية خالصة مما يمكن أن يكدّر صفوها لأنها مواد ناطقة بما يعجز عنه الكلام أحيانا.

ثم بعد ظهور التصوير الفوتوغرافي الثابت والمتحرك أُضيف إلى مصادر المعرفة مصدرٌ آخر غني جداً بالمضامين العلمية والفنية، ويتميز عن المصادر السالفة الذكر بكونه يستطيعُ استيعابَ العلوم والفنون الحديثة بأشكالها ومضامينها وأدقِّ تفاصيلها، ويستطيعُ توثيقها، وتقديمها للراغبين في الاطلاع عليها بأيسر السبل. ثم تطور التصوير، وأصبحت الصورةُ الثابتة والمتحركة تُبثُّ على الهواء من أقصى بقعة في العالم إلى أدناها. وتحولت بيوتنا إلى معارض قائمة باستمرار يُعرَض فيها الإنتاج الفني والرياضي والصناعي بكل اللغات ومن كل العالم.

وفي العقود الأخيرةً أنعمَ اللهُ تعالى علينا بدخولنا العصرَ الإلكتروني فإذا بمصادر المعرفة القديمة والحديثة تصبح منا على مَدِّ اليدين نتناولها متى شِئنا بمدِّ أيدينا إليها. وأصبحت المكتبات الإلكترونية تشمل ما تعجز عنه المكتبات التقليدية، والمتاحف الإلكترونية مفتوحة الأبواب بكامل أروقتها وأجنحتها داخل بيوتنا . وزيارة مكتبة أو متحف لا تتطلب من الراغب فيها أكثر من إطلالة على الموقع الإلكتروني للمكتبة أو للمتحف المراد زيارته.

قد يعجبك ايضا