في الثقافة الرياضية

يحدثنا التاريخ بأن أول درس تثقيفي تعلمه الإنسان في الحياة كان على هيئة نشاط بدني. فقد بدأ الإنسان الأول يعلم أولاده الصيد والقنص والسباحة وتسلق الأشجار وغير ذلك من ألوان الرياضة قبل أن يدرك طريقة للقراءة والكتابة، ويعي سبيله إلى الفن والأدب، لأن أول مظاهر التعليم هو التغيير في السلوك الحركي. ولعل ذلك راجع إلى أن أول ما يطرأ على الطفل من تغييرات يتعلق بهذه المجموعة من الظواهر، فالمشي مثلا سلوك حركي، والإنسان يولد مزودا بالقدرة على المشي وإن كان يتأخر ظهورها إلى حوالي عام بعد الميلاد، ولكن نحن نتعلم طريقة المشي، بيد أن أنماط التعلم العليا في السلوك الحركي تكمن في المهارات الحركية التي تميز الأفراد المحترفين للمهن الفنية والصناعية المختلفة. ومن هذه البداية الحركية خطت الثقافة أولى خطواتها في مسار التطورعبر العصور.

الحضارة مرحلة متطورة من مراحل الثقافة، والإختلاف القائم بين الحضارة والثقافة هو اختلاف في الدرجة وليس في الأصل. وقد ثبت بأنه ما من حضارة قامت إلا وكانت الرياضة سمة بارزة من سماتها. فحضارة الهند، والصين، ومصر والفرس القديمة، وحضارة الرومان والإغريق، والحضارة العربية الإسلامية، والحضارة القائمة؛ كلها وبدون استثناء قد اتخذت من الرياضة وسيلة من بين الوسائل الأخرى للتشييد والبناء.

فالرياضة إذن هي مظهر حضاري يؤثر في الحضارة والثقافة ويتأثر بهما.

من كتاب (الاتجاهات المعاصرة للثقافة الرياضية) علي يحي المنصوري.

جائزة التفوق العلمي التقديرية لأوائل خريجي الجامعات. القاهرة 1960.

قد يعجبك ايضا