في تاريخ الملاكمة

الملاكمة في العـراق قديما

جاء في ( الرياضة عبر العصور .. تاريخها وآثارها ، القاهرة 1998) للدكتورعبد العزيز صلاح سالم أن الشعوب التي عاشت على أرض العراق كانوا قد اهتدوا إلى الكتابة ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد ” وشاكلوا بين المنطوق والمحسوس بحيث يجعلون الصور مكان الكلمة ، كما عرفوا الكتابة عرفوا كذلك ممارسة الرياضات الشهيرة .. واستمرت الرياضات في عهد حمورابي ، وصُوّرت مناظرها بالنقش البارز والنحت المجسم ، وظهرت بعض مناظر الألعاب الرياضية المعروفة التي تمثل العهد البابلي القديم “. ومن بين الرياضات التي ظهرت في عصر حمورابي رياضة الملاكمة .

الملاكمة في مصر قديما

وجاء في نفس الكتاب ( الرياضة عبر العصور .. تاريخها وآثارها ) أن : ” الكتابات الهيروغليفية والنقوش التي وجدت على جدران معابد المصريين بمنطقة بني حسن على أن الفراعنة هم أول من مارسوا اللكم بغرض إعداد الشباب للدفاع عن وطنه “.

الملاكمة في اليونان قديما

جاء في ( قصة الحضارة ) لديورانت أن الملاكمة ” كانت من الألعاب القديمة ، وكان المتبارون ينازل بعضهم بعضاً بكرات للكم معلقة بمحاذاة الرأس ومحشوة ببذور التين أو الدقيق أو الرمل. وفي عصر اليونان الزاهر ( أي في القرنين الخامس والرابع ) كان الملاكمون يلبسون ” قفازات لينة ” من جلد الثيران، معالجة بالدهن، وتكاد تصل إلى المرافق، وكانت الضربات مقصورة على الرأس ولكنهم لم تكن لديهم قواعد تحرّم ضرب اللاعب إذا وقع على الأرض. ولم تكن هناك أشواط أو فترات للراحة، بل كان الملاكمان يواصلان اللعب حتى يستسلم أحدهما أو يعجز عن الملاكمة. ولم يكونوا يقسمون حسب أوزانهم، بل كان في مقدور أي إنسان مهما يكن وزنه أن يشترك في المباريات. ومن ثم كان ثقل الجسم ذا نفع كبير لصاحبه، وانحطت الملاكمة لهذا السبب في بلاد اليونان وتحولت من مباراة في المهارة إلى منازلة بالقوة العضلية. وازدادت وحشية اللاعبين على مر الزمن فجمعوا المصارعة والملاكمة في مباراة جديدة سمّوها لعبة القوى مجتمعة.

وذكر ديورانت في ( قصة الحضارة ) أن الشخص الكريتي من سكان الحواضر كان يشجع الملاكمين، ” وتراه يصوّر على مزهرياته وفي نقوشه البارزة أنواعاً مختلفة من المباريات ، يتلاكم فيها ذوو الأوزان الخفيفة بأيديهم العارية وأقدامهم ، وذوو الأوزان المتوسطة يتلاكمون بقوة .. وذوو الأوزان الثقيلة يواصلون الملاكمة حتى يسقط أحدهم على الأرض من فرط الإعياء، ويقف الثاني فوقه يتباهى بما أحرزه من نصر. وكان الكريتي ” يُخرِج روائعَ الفنّ الخالدة في الطورالأول من أطوار العصر المينوي المتأخر أمثال مزهرية الملاكمين ومزهرية الحصادين؛ ففي الأولى يصور القسوة بجميع أشكالها ومواقفها في ألعاب الملاكمة ، ويضيف إليها صوراً من حياة مصارعي الثيران “.

وقد ورد ذكر الملاكمة في ( الأوديسة ) للشاعر هوميروس ، وجاء ذلك على لسان الملك ألكينوس مخاطبا سادة القوم وشيوخ الأمة: هلموا جميعا لِنُري هذا الضيفَ الكريمَ بـعضَ ألعابناوليكون شاهدا أنّ الفياشيين خيرُ مَن يجري ومَن يَـثِب وأمْهَرُ الناس في اللّكم والمصارعة.

الملاكمة عند الرومان قديما

ذكر ديورانت في ( قصة الحضارة ) أن : ” أبسط الألعاب العامة كانت هي المباريات الرياضية التي تقام في ملعب عام. وكان معظم اللاعبين من المحترفين والغرباء، وكانوا يتبارون في العدو، وقذف القرص، والمصارعة، والملاكمة. ولكن جمهرة الرومان الذين اعتادوا ألعاب المجتلد الدموية لم يكونوا يحبون هذه الألعاب الرياضية إلا قليلاً، وكانوا مولعين بالقتال لنيل الجوائز وهو القتال الذي كان اليونان ينهمكون فيه حتى يكادوا يخرون صرعى، وقد لبسوا في أيديهم قفازات مقواة عند البراجم بأطواق من الحديد يبلغ سمكها ثلاثة أرباع بوصة. ويصف فرجيل- وهو الرجل الرقيق- حفلة ملاكمة غير شديدة في لغة لا تكاد تفترق عن لغة هذه الأيام فيقول : ثم جاء أحدُ المنظمين  بقفازات من الجلد متساوية في الوزن، وربط بها أيدي الملاكميْن، ووقف كلاهما في موضعه معتمداً على أطراف أصابع قدميه، ورافعاً ذراعه ، ثم يبعد رأسه إلى الوراء ليتقي ضربات خصمه ويبدأ التلاكم باليدين، ويسدّد كل منهما ضربات قوية همجية إلى صدر الآخر، وجنبيه، وأذنيه، وجبهته، وخديه، يردّد الهواء صداها. ويمدّ أحدهما يمناه، وينحرف الآخر إلى أحد الجانبين بحركة رشيقة ، ويهاجمُ أحدُهما الآخرَ بقوة، ويطرحه على الأرض ، ويكيل له الضربات بيمناه تارة وبيسراه تارة أخرى، ثم يجيء الذي ينهي المعركة، ويتقدّم رفقاءُ المطروح ويقودونه إلى خارج الحلبة تصطك ركبتاه ويتأرجح رأسه من ناحية إلى أخرى وفمه تخرج منه الأسنان والدماء.

الملاكمة عند العـرب

وقال ديورانت في ( قصة الحضارة ) أن كتاب ( القانون ) لابن سينا يدلُّ على أن العرب كان لديهم في العصر العباسي من الألعاب الرياضية  الملاكمة، والمصارعة، والعدو، والرمي بالنبال، وقذف الحراب، والحركات الرياضية الجسمية، والمثاقفة، وركوب الخيل، ورفع الأثقال، وأنواع مختلفة من لعب الكرة والصولجان، وكان سباق الخيل منتشراً، يبسط عليه الخلفاء رعايتهم. ويحدثنا المؤرخون بأن أربعة آلاف جواد اشتركت مرة في سباق. وقد ظل صيد الحيوان مقصوراً على أرقى الطبقات ، وكثيراً ما اقتصر على الصيد بالبزاة أو الصقور. وكانت حيوانات الصيد تربى أحياناً وتدلل، وكان عند بعض الأسَـر كِلاب ، وعند بعض الخلفاء أسـودٌ ونُمور.

وجاء ذكر الملاكمة كذلك في كتاب ( الحاوي في الطب) لأبي بكرالرازي ( ت 313هـ ) في حديثه عن الْخلْع وكيفية علاجه .

الملاكمة في بريطانيا

( في القرن الثامن عشر )

 وذكر ديورانت في ( قصة الحضارة ) أن البريطانيين الأقل يساراً كانوا يَتسلّونَ بالكريكت والتنس وكرة اليد والبولينغ وسباق الخيل، ومباريات الملاكمة. وكان المتكسّبون بالملاكمة معبودي كل الطبقات، يجتذبون إلى الحلبة الحشود الكبيرة، ويتلاكمون – إلى عام 1743م – بقبضاتهم عارية بغير قفازات ؛ ثم أدخل استعمال قفازات الملاكمة، ولكن سنين كثيرة انقضت قبل أن يغير المتفرجون رأيهم فيها .

وفي مطلع القرن التاسع عشر كانت الملاكمة  رياضة أثيرة ، وكانت المباريات بقصد الحصول على جائزة ( الملاكمة التكسبية ) تجذب المنظمين الطامعين من كل الطبقات· ولقد وصلنا وصف مكثف معاصر لهذه المباريات من روبرت سوثي Robert Southey: عندما يتم الإعداد لمباراة بين اثنين كل منهما يبغي الحصول على الجائزة سرعان ما تصل الأخبار للناس عن طريق الصحف، فتظهر فقرات فيها في مناسبات مختلفة متناولة المتنافسين وكيف يتدربون، وما هي التمارين التي يقومون بها، وكيف أن أحدهم يتناول اللحم النيئ استعداداً للمباراة· وفي هذه الأثناء يختار الهواة والمقامرون أحد الطرفين لينحازوا إليه أو يقامروا على فوزه أو إخفاقه، وتظهر المراهنات في الصحف أيضاً، وفي حالات غير قليلة ينخرط الجميع في المراهنات حتى إن عدداً قليلاً من المحتالين الأوغاد قد يخدعون أعدادً كبيرة من الأغبياء· ويتجمع جمهور غفير يصل أحياناً إلى عشرين ألفاً . وقد أوصى أحد اللوردات بممارسة الألعاب الرياضية للتسامي بالغرائز العدوانية السائدة بين الناس، لكن منظمي هذه المباريات يعتبرونها تطهيراً لجيوب المرتادين ( أي وسيلة لتجريد الناس من أموالهم )·

وفي نهاية القرن التاسع عشر وضع للملاكمة قانون ليجعل منها رياضة رسمية معترف بها . وأهم ما جاء في القانون أن المباراة صارت تنقسم إلى جولات ، كل جولة تدوم ثلاث دقائق ، وتفصل بين الجولة والأخرى فترة استراحة تدوم دقيقة واحدة . غير أن عدد الجولات في المباراة لم يحدد فاستمر الحال على ما كان عليه سابقا حتى بداية القرن العشرين حيث تم تحديد عدد الجولات كما تم تصنيف الملاكمين إلى فئات حسب أوزانهم . ومنذ ذلك الحين بدأت الملاكمة تستعيد من جديد المكانة التي فقدتها في القرون الماضية والتفاف الجمهور حولها .