الرماية في البدء

كان الرمح ثم القوس والسهم من أقدم ما استعمل الإنسان من أدوات الرماية ؛ يدرأ بها عن نفسه خطر الحيوانات المتوحشة والشرسة ، ويسعى بها إلى صيد الحيوانات التي سخرها الله تعالى له للانتفاع بها . ونظرا لما لمسه الإنسان من نفع في استعماله لأدوات الرماية ظل يسعى إلى تطويرها مثلما سعى إلى تطوير مختلف أدواته المنزلية ، وأدواته الزراعية ، ووسائل نقله وتنقله .

وإذا كان المؤرخون يجمعون على أن الرماية بالقوس عرفها الإنسان منذ أقدم الأزمنة وأنها تطورت في حضارات الأمم فإنهم غير مجمعين على من سبق من الشعوب إلى الرماية بالقوس . والمصادر التاريخية ـ المقروءة وغيرالمقروءة ـ لا تفصل في هذا الموضوع . وكل شعب يسوق من ثقافته ما يراه دليلا على سبقه الزمني في مجال الرماية بالقوس .

وقال الطبراني في ( فضل الرمي وتعليمه ) : اختلف الناس في القوس ومبدأ عملها ومن رمى عنها ، فقال بعض أهل العلم : إن القوس جاء بها جبريل إلى آدم عليه السلام وعلمه الرمي عنها ، وتوارثه ولده إلى زمن نوح عليه السلام. وذكرت الفرس في كتاب ( الطبقات الأربع ) أن أول من رمى بها جمشيد الملك الفارسي. وقيل إنه كان في زمن نوح عليه السلام ، وتوارثه بعده ولده طبقة بعد طبقة. وقال آخرون أن أول من رمى عنها النمرود ، وخبره مشهور في رميه نحو السماء وعودة سهمه إليه وقد غمس من الدم . ورمى عنها بعد النمرود سامن اليماني ثم كند بن سامن ثم رستم من المجوس ثم اسفنديار وغيرهم . وقيل : إن أول من وضعها بهرام جور بن سابور ذي الأكتاف ، وهو من الملوك الساسانية ، وأنه عملها من الحديد والنحاس والذهب ، ولم يكن رآها قبل ذلك ، فلم تطاوعه في المد فعملها من القرون والخشب والعقب .

وجاء في ( معجم ما استعجم ) لأبي عبيد البكري ، أنه كان عند كسرى بن هرمز رجال من إياد وغير إياد من العرب ، وكان كسرى يضع الأهداف لجنوده ، فيرمونها ، فيوالون فيها بالنشاب ، فقال رجل من إياد : لو أنزلني الملك رميت مثل رميهم . فأخبر بذلك كسرى ، فأمر به فأنزل ، فرمى ، فأجاد الرمي . فقال له كسرى : أفي قومك من يرمي رميك ؟ قال : كلهم يرمي رميي . قال: فأتنا منهم بثلاث مائة رجل أو أربع مائة ، يرمون مثل رميك ، فجاءه بهم ، فجعلهم مرصادا على الطريق ، فيما بينه وبين الفرات ، لئلا يعبره أحد عليهم .

وجاء في ( خلاصة السير الجامعة ) لنشوان الحميري ، أنه كان لكهلان على حمير المعونة بمثل معونة اليمن للشمال في الرمي بالقوس والنزع عليها بالنبل ، وكان لحمير على كهلان الطاعة وكفاية ما تقلد من رتق الفتق وسد الخلل واستخراج الأتاوات.

وجاء في ( المنتظم ) لابن الجوزي ، أن الملك يَزْدَجرِد لما وُلد بَهْرام أمر المنجمين أن ينظروا في النجوم ليعلموا ما يؤول إليه أمرابنه بهرام ، فنظروا  فأمروا أن تجعل تربيته وحضانته إلى العرب ، فدعا المنذر بن النعمان ، فاستحضنه بَهْرام ، وأمر أن يسير بَهْرام إلى بلاد العرب . فسار به المنذر بن النعمان إلى أرضه ، واختار لإرضاعه ثلاث نسوة ذوات أجسام ضخام ، وأذهان ذكية ، وآداب رضية من بنات الأشراف منهنّ امرأتان من بنات العجم ، وأمر لَهنَ بما يصلحهنَّ ، فتداولْنَ إرضاعه ، ثم فُطِم . ولما بلغ خمس سنين أحضرْ له المنذر بن النعمان مؤدّبين ذوِي علم ليعلِّموه الكتابة والرمي . وجمع له حكماء ومحدّثين من العرب ، فألزمهم بَهْرام ، ووقَت لكلّ منهم وقتاً يأتيه فيه ، فتفرغ لهم بَهْرام ، فبلغ اثنتي عشرة سنة ، وقد استفاد كلّ ما أفيد وحفظه ، فأثاب بهرام معلميه ، وأمر معلّمي الرمْي والفروسية بالإقامة عنده ، ليأخذ عنهم ما ينبغي له إحكامه .

الرماية قبل ظهور الإسلام

ذكرابن قتيبة الدينوري في ( المعارف ) أن الله تعالى أمرإبراهيم عليه السلام بالمسير إلى مكة المكرمة بإسماعيل وأمه . فسار به وبأمه وتركهما هناك. وجاءت رفقة من قبيلة جرهم  فنزلوا شعاب مكة المكرمة . فنشأ إسماعيل مع أولادهم وتعلم الرمي ونطق بلسانهم ثم خطب إليهم فزوجوه امرأة منهم . و ذكر ابن الجوزي في ( المنتظم في تاريخ الأمم ) أن ابن عباس  قال : أول من عمل القسي العربية إبراهيم عليه السلام عمل لإسماعيل قوساً ولإسحاق قوساً ، وكانوا يرمون بها وعلمهما الرمي . وأول من اتخذ القسيّ الفارسية نمرود . وقال صاحب ( البيزرة ) أن إسماعيل عليه السلام كان مولعاً بالقنص محباً له ، متعباً نفسه فيه ، مباشراً لعمل آلات الرمي .

وقد استمر حضور الرماية في آل إبراهيم عليهم السلام إلى عهد يوسف ، وجاء في سورة يوسف « قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا » [ يوسف :17 ] ، وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الرماية كانت في زمن يوسف عليه االسلام تمارس باعتبارها رياضة ، فقد جاء في  تفسير ابن كثير لقول الله تعالى « إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ » أي : نترامى . وفي تفسير القرطبي « نَسْتَبِقُ » : ننتضل . وقال الزجاج : ننتضل هـو نوع من المسابقة . وقال الأزهري : النضال في السهام ، والرهان في الخيل ، والمسابقة تجمعهما. وفي تفسير الجلالين «نَسْتَبِقُ»: نرمي.

ومعظم المفسرين يأخذون بأن سباق إخوة يوسف الوارد في هذه الآية هو أنهم يسابقون بعضهم بعضاً في الرمي . وممن أخذ بهذا التفسير الرازي الذي قال : وأصل السبق في الرمي بالسهم هو أن يرمي اثنان ليتبين أيهما يكون أسبق سهماً وأبعد غلوة ، ثم يوصف المتراميان بذلك فيقال : استبقا وتسابقا إذا فعلا ذلك ليتبين أيهما أسبق سهماً ويدل على صحة هذا التفسير ما روي في قراءة عبدالله « إِنَّا ذَهَبْنَا ننتضل ». وقال الطبراني في ( فضائل الرمي وتعليمه )  يتناضلون : يَرْتَمون بالسهام . يقال : انْتَضَل القومُ وتَناضَلوا : أي رَمَوْا للسَّبْق .

وهذه الآية الكريمة تقربنا من حقيقة أن الرماية إلى زمن يوسف عليه السلام كانت حاضرة في البلدان المجاورة للجزيرة العربية ، وهي بلدان  كانت بين شعوبها علاقات تجارة ، ونفوذ ، ونزاعات ، وحروب ، وتحالفات.

وجاء في ( خزانة الأدب ) للبغدادي أن عدي بن زيد العبادي ( ت 36 ق.هـ ) لما أيفع أرسله المرزبان مع ابنه إلى كتاب الفارسية ، فكان يختلف مع ابنه ويتعلم الكتابة والكلام بالفارسية حتى خرج من أفهم الناس بها وأفصحهم بالعربية ، وقال الشعر، وتعلم الرمي بالنشاب فكان من الرماة . وقال ابن خلكان في ( الوفيات ) « العبادي – بكسر العين المهملة – نسبة إلى عباد الحيرة، وهم عدة بطون من قبائل شتى نزلوا الحيرة وكانوا نصارى ينسب إليهم خلق كثير، منهم عدي بن زيد العبادي الشاعـر المشهور ». وقد ذكرت كتب التاريخ ما كان لعدي بن زيد العبادي من علاقة بالنعمان بن المنذر ملك الحيرة .

وكانت قبائل عربية أخرى تعرف الرمي وتجيده ، وبنو ثعـل من قبائل طي كانوا رماة يضرب بهم المثل . قال الثعالبي في ( ثمار القلوب في المضاف والمنسوب ) أن رماة بني ثعـل ضرب بهم المثل ، ويوصفون بجودة الرمي من بين قبائل العرب . وقد ذكرهم في شعره امرؤ القيس ( ت 80  ق.هـ ) أشهر شعراء العرب على الإطلاق ، قال :

ربّ رامٍ من بني ثُعَلٍ   *****   مخرجٍ كفيَّه من ســــتـره

فأتته الـوحـش واردةً    *****   فتمتَّى النزعَ من يـســـره

فرماها في فرائصها    *****   من إزاء الحوض أوعقره

وذكرهم في شعره الطرماح بن حكيم الطائي ( ت 125 هـ ) وهو منهم، قال:

أَنا الطِرماحُ فَاِسأَل بي بَني ثُعَـلٍ  *****   قَـومي إِذا اِختَلَطَ التَصديرُ بِالحَـقَـبِ

نَحنُ الرُؤوسُ عَلى مِنهاجِ أَوَّلِنا   *****   مِن مَذَحِجٍ مَن يُسَوّي الرَأسَ بِالذَنَبِ

وذكرهم في شعره البحتري ( ت 284  هـ ) أحد الثلاثة الذين كانوا أشعر بني عصرهم ، قال :

أَرمي بِظَنّي فَلا أَعدو الخَطاءَ بِهِ  *****     إِعجَب لِأَخطاءِ رامٍ مِن بَني ثُعَـلِ

وذكرهم في شعره شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء أبو العلاء المعري ( ت 449 هـ ) ، قال :

أَرمى وَجَدِّكَ مِن رامي بَني ثُعَـلٍ   *****    حَتفٌ لَدَيهِ إِزاءُ الحَوضِ وَالعُـقُـرُ

وذكرهم في شعره مؤيد الدين الأصبهاني الطغرائي ، الوزير الكاتب الذي كان ينعت بالأستاذ ( ت 513 هـ ) ، قال :

إني أُريدُ طروقَ الحَيِّ من إضَمٍ   *****    وقد رَماهُ رُماةٌ من بني ثُعَلِ

وذكرهم المؤرخ الثقة والشاعرالفقيه النجيب عمارة اليمني ( ت 569 هـ ) في قوله :

لو ناضلوك على الإنصاف عرفهم   *****    مواقع الرمي رامٍ من بني ثعـل

ومن القبائل التي اشتهرت بالرمي قبيلة القارة ، وجاء في ( سبل الهدى والرشاد ) للإمام الصالحي الشامي : القارة – بالقاف وتخفيف الراء – وهي قبيلة مشهورة ، ويضرب بهم المثل في قوة الرمي . وقال ابن هشام في ( السيرة النبوية ) : « والقارة لقب ، ولهم يقال : قد أنصف القارة من راماها ، وكانوا قوما رماة » ، ومن قبيلة القارة عمير بن أبي وقاص ، وأخوه سعد بن أبي وقاص الذي كان أول من رمى بقوس في سبيل الله بعد إسلامه . وأخبار قبيلة القارة تناقلتها كتب الأدب والتاريخ والسير والأمثال والأنساب ، وجميعها تذكرهذه القبيلة برماتها الذين كانوا من أمهر رماة العرب . قال النويري في ( نهاية الأرب في فنون الأدب ) : « سُموا قارة : لأن يعمر بن عوف بن الشدّاخ أحد بني ليث لما أراد أن يفرّقهم في بطون كنانة ، قال رجل منهم : دعونا قارة لا تنفرونا فنجفل مثل إجفال الظليم ، فسمّوا قارة : وهم رماة العرب ، وفيهم قيل : قد أنصف القارة من راماها » .

وفي ( فتوح البلدان ) للبلاذري أنه جاء الإسلام وفي قبيلتي الأوس والخزرج رماة . وكان الكملة منهم رافع بن مالك ، وسعد بن عبادة ، وأسيد بن حضير، وعبد الله ابن أبي ، وأوس بن خولى، والكامل من يجمع إلى الكتابة الرمي والعوم . ومن جمع هذه الاشياء في الجاهلية من أهل يثرب سويد بن الصامت ، وحضير الكتائب . وفي ( الأغاني ) أن سويد بن صامت كان يقال له الكامل في الجاهلية ، وكان الرجل عند العرب إذا كان شاعرا شجاعاً كاتباً سابحاً رامياً سموه الكامل ، وكان سويد أحد الكملة .

قد يعجبك ايضا