الطب العربي عريق

الحمد لله الذي حلى أمتنا بحلية العلم وزينها بلغة القرآن  وصلى الله تعالى على سيدنا محمد المبعوث برسالة الإسلام إلى العالمين بأفصح لسان وأوضح بيان.

وبعد، فإن الله تعالى جلت قدرته شاء أن يرزق أمة محمد ﷺ من تحصيل العلوم والمعارف ما يقربها منه ، وما تضبط به المصالح، وتقدر به العواقب، وتدرك به الغوامض، وتجمع به الفضائل. قال تعالى “كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر”، فظهر الفضل بما جاد به الجواد الكريم على أشرف الأنبياء والمرسلين، نحمده تعالى إذ جعلنا خير أمة أخرجت للناس، ونشكره على عطائه ومنته.

ولما كان علم الطب من أشرف العلوم فقد جعله الله تعالى معجزة نبيه عيسى عليه السلام وقدره على أن يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ، وهو تعالى الذي رزق أمتنا من علماء الطب والصيدلة ما زان صدر حضارتنا.

ومن يطلع على حركة التأليف العربي في مجال الطب والصيدلة لا يسعه إلا التسليم بحقيقة أن علماء الطب الذين أنجبتهم حضارتنا العريقة كانوا قد أحسنوا الإطلاع على تراث الطب اليوناني وأحسنوا الأخذ عنه فنقلوا إلى اللغة العربية مؤلفات أسقليبيوس وأبقراط وجالينوس وغيرهم من كبارأطباء اليونان . وقد صدر سنة 2005 في طرابلس كتاب قيم بعنوان ( حركة نشر التراث العربي في الطب والصيدلة ) سجل فيه صاحبه د.عبد الكريم أبوشويرب بدء حركة تحقيق التراث العربي في الطب والصيدلة ، و ذكر رواد هذه الحركة من المستشرقين ، وجيل الرواد من الأطباء العرب ، ومؤلفي المخطوطات المحققة وأسماء المحققين .

وقد تضاربت الأقوال والآراء في قدم وحداثة صناعة الطب ، كما تعددت وتضاربت الأقوال في الشعوب التي كانت سباقة إلى استخراج صناعة الطب ، يرى البَعْضْ أَنهْمُ الكلدانيون ، وَالبَعْضْ يَقُول أَنَهَم من أهل الْيمن ، وَآخرون يَقُولون بل هم أهل بابل أَو أهل فَارس ، وَبَعْض يَقُول أَن الْمُسْتَخْرج لَهَا من أهل طور سيناء .

وقال الأستاذ يوسف زيدان محقق كتاب ( الشامل في الصناعة الطبية ) لابن النفيس (ت 687 هـ ) أن الفرسُ والهندُ والصينُ لهم كتابات علمية موجزة عرفناها بعدما قام بنقلها من أصولها إلى اللغة العربية جماعةٌ من المترجمين ، فقد نقلوا من الهندية و من الفارسية ، و من النبطية إلى العربية . فعرف العالم العربىُّ الإسلامى ، ومن بعده بقيةُ الدنيا ، من كتب الحضارات القديمة ، أعمالاً مثل ( كتاب السموم ) لشاناق الهندي ، وكتاب ( الفلاحة النبطية ) لابن وحشية ، والأزياج الفلكية الهندية والفارسية ، وغير ذلك كثيرٌ من النصوص العلمية.

ولما تسلَّمت اليونان مشعل الحضارة الإنسانية من مصر القديمة وبلاد الشرق كتب علماءُ اليونان وأطباؤهم نصوصاً على شكل رسائل ، جمعت ــ فى عصورٍ لاحقة ــ فى كتبٍ مثل أصول الهندسة لإقليدس ، الذي كان في الأصل مجموعة مقالات كتبها أُبولونيوس ثم حرَّرها إُقليدس وأضاف إليها مقالات أخرى، فجُمعت كلها بالإسكندرية القديمة ، وتُرجمت فى بغداد ، وصارت كتاباً واحداً . ومثل كتاب المجسطي لبطليموس ، الذي كان فى أصله ثلاث عشر مقالة جُمعت معاً ونُقلت إلى العربية بعناية يحيى بن خالد البرمكي ، وكذلك الأمر فى كتب أرسطو قبل إُقليدس وبطليموس ، فقد وضع هذا المعلم الأول علومه على شكل رسائل وكُتبٍ صغار، جُمعت بعد ذلك على صعيدٍ واحد ، فصار لدينا ــ مثلاً ــ كتاب المنطق الذي هو مجموعةٌ من الرسائل والكتب القصار .

وفي التراث الطبي ، اشتهر من أهل اليونان اثنان من الأطباء المؤلِّفين : أبقراط ، جالينوس. وكلاهما كتب بإيجازٍ فى مجالات الطب على اختلافها ، ثم جُمع المختلف ، فأتلف في المجموعة الأبقراطية ( الإثنا عشر كتاباً ) وفي ( الستة عشر كتاباً ) لجالينوس ، التي جمعها الإسكندرانيون من رسائله ، فصارت تُعرف بعنوان: منتخبات الإسكندرانيين لجالينوس. وكلاهما ، أعني أبقراط وجالينوس سوف يُعرف فى حضارتنا من خلال تلك المؤلَّفات ، ويُشهد له بالفضل ، فلا يُذكر اسمه إلا مسبوقاً بلقب : الفاضل.

وفي حضارتنا ، نحن ، سوف تكون أول كتابات علمية موسَّعة ، وأول موسوعات علمية فى التاريخ الإنسانى. ربما لأنها حضارة حفظٍ وتدوين ، وربما لأن المعارف كانت قد اتسعت ، وربما لأن المسلمين تَشكَّل وعْيُهم من خلال الكتاب أعني القرآن الكريم ، ومن خلال الحديث الشريف الذي دعا إلى التدوين .

ودوَّن العربُ المسلمون ــ أول الأمر ــ الرسائل الطبية والكنانيش ، ثم عكفوا على كتابة المطوَّلات ، فزها تراثنا ، وازدان ، بموسوعاتٍ طبية مثل : الحاوي في الطب لأبي بكر الرازي والقانون في الطب لابن سينا والشامل في الصناعة الطبية لابن النفيس .

ومن أشهر علماء الطب :

  • أَبُو بَكْر الرَّازِي ( ت 313 هـ ) محمد بن زكريا الرَّازي ، أبوبكر : فيلسوف ، من الأئمة في صناعة الطب . من أهل الري . ولد وتعلم بها . وسافر إلى بغداد بعد سنّ الثلاثين . يسميه الغربيون ( رازيس ) RHAZES . أولع بالموسيقا والغناء ونظم الشعر، في صغره . واشتغل بالسيمياء والكيمياء ، ثم عكف على الطب والفلسفة في كبره ، فنبغ واشتهر. تولى تدبير مارستان الريّ، ثم رئاسة أطباء البيمارستان المقتدري في بغداد. كف بصره في آخر عمره ، ومات ببغداد. له مؤلفات كثيرة ، ذكروا منها 232 كتابا ورسالة . منها في علم الطب ( الحاوي في الطب ) وهو أجلّ كتبه ، ترجم هذا الكتاب إلى اللاتينية وطبع ، و( الطب المنصوري ) ترجم وطبع باللاتينية ، و( الفصول في الطب ) ويسمى ( المرشد ). و ( الجدري والحصبة ) ، و ( برء الساعة ) رسالة ، و( الكافي ) و( الطب الملوكي ) و( مقالة في الحصى والكلى والمثانة ) ، و( الأقرباذين ) ، و( تقسيم العلل ) ، و( المدخل إلى الطب ) ، و( الفاخر في علم الطب ) ، و ( الباه ومنافعه ومضاره ومداواته) ، و( سرالصناعة ) ترجم إلى اللاتينية باسم ( الأسرار ) ، و( أسئلة من الطب ) ، و ( تلخيص كتاب جالينوس في حيلة البرء ) ، و( منافع الأغذية ودفع مضارها ) ، و(جراب المجربات وخزانة الأطباء ) ، و( الخواص ) رسالة ، و(مقالة في النقرس) ، و( الفولنج ) ، و(من لا يحضره الطبيب ) ، وعدة رسائل نشرتها الجامعة المصرية . وفي مكتبة MARCIANA بالبندقية  مجموعة من رسائله في الطب .
  • ابن سِينا الشيخ الرَّئيس ( ت 428 هـ ) ، الحسين بن عبد الله بن سينا ، أبوعلي ، الطبيب الفيلسوف ، صاحب التصانيف في الطب والمنطق والطبيعيات والإلهيت . أصله من بلخ ، ولده ونشأ وتعلم في بخارى ، وطاف البلاد ، وناظر العلماء، واتسعت شهرته ، وتقلد الوزارة في همذان ، وثار عليه عسكرها ونهبوا بيته . ثم صار إلى أصفهان ، وصنف بها أكثر كتبه . وعاد في أواخر أيامه إلى همذان ومات بها .

أشهر كتبه ( القانون في الطب ) ، يسميه علماء الغرب ( Canon Medicine ) ، بقي معولا عليه في علم الطب وعمله ستة قرون ، وترجمه الغربيون إلى عدة لغات ، وكانوا يتعلمونه في مدارسهم ، وطبعوه بالعربية في روما . وهم يسمون ابن سينا AVICENNE ، وله عندهم مكانة رفيعة .

  • ابن النفيس ( ت 687 هـ ). علي بن أبي الحزم القرشي ( بفتح القاف وسكون الراء ). مولده في دمشق ووفاته بمصر.

أعلم أهل عصره بالطب ، له كتب في الطب ، منها :

ـ الموجز ، اختصر به قانون ابن سينا . ـ بغية الطالبين وحجة المتطببين . ـ الهذب ، في الكحل  . ـ الشامل في الصناعة الطبية ، منه مجلد مخطوط ضخم في الظاهرية بدمشق ، وثلاثة مجلدات مخطوطة في جامعة ستانفورد بكاليفورنيا . شرح فصول أبقراط . – بغية الفطن من علم البدن ، منه مخطوط في الفاتيكان .

كانت طريقته في التأليف أن يكتب من حفظه وتجاربه ومشاهداته ومستنبطاته . مات في نحو الثمانين من عمره ، خلف مالا كثيرا، ووقف كتبه وأملاكه على البيمارستان المنصوري بالقاهرة .

وقد كان للرازي كما كان لابن سينا اهتمام ملحوظ بالرياضة ، ظهر ذلك جليا في كتاب الرازي ( الحاوي في الطب ) وهو أجلّ كتبه، وفي كتاب ابن سينا ( القانون في الطب ) وهو أشهر كتبه . وبذلك يمكن القول أن بدء ظهور الطب الرياضي في تاريخ الطب العربي كان منذ نهاية القرن الثالث الهجري وهو الحقبة التي عاش فيها الرازي.